ابن قيم الجوزية
107
الروح
ضربة امتلأ القبر حتى فاض ماء ودهنا ، ثم عاد فأعاد إليه القول حتى ضربه ثلاث ضربات كل ذلك يقول ذلك ويذكر أن القبر يفيض ماء ودهنا ، قال : ثم رفع رأسه فنظر إلي فقال : انظر أين هو جالس بلسه « 1 » اللّه ، قال : ثم ضرب جانب وجهي فسقطت ، فمكثت ليلتي حتى أصبحت ، قال : ثم أخذت أنظر إلى القبر فإذا هو على حاله . فهذا الماء والدهن في رأي العين لهذا الرائي وهو نار تأجج للميت كما أخبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الدجال أنه يأتي معه بماء ونار ، فالنار ماء بارد والماء نار تأجج « 2 » . ( وذكر ) ابن أبي الدنيا أن رجلا سأل أبا إسحاق الفزاري عن النباش « 3 » هل له توبة ؟ فقال : نعم إن صحت نيته وعلم اللّه منه الصدق ، فقال له الرجل : كنت أنبش القبور وكنت أجد قوما وجوههم لغير القبلة ، فلم يكن عند الفزاري في ذلك شيء ، فكتب إلى الأوزاعي يخبره بذلك ، فكتب إليه الأوزاعي : تقبل توبته إذا صحت نيته
--> ( 1 ) أي يئس من رحمة اللّه ، والأصح : أبلسه ، ومنها إبليس وكان اسمه عزازيل . ( 2 ) أخرج البخاري في كتاب الفتن باب ذكر الدجال ( 8 / 103 ) عن حذيفة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال في الدجال : « إن معه ماء ونارا ، فنار ماء بارد ، وماؤه نار » قال أبو مسعود : أنا سمعته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم . ( 3 ) هو من ينبش القبور لاستخراج ما يجده مع الميت من كفن أو غيره ، وفي ذلك أخرج أبو داود في كتاب الحدود باب قطع النباش عن أبي ذر قال : قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « يا أبا ذر » قلت : لبيك يا رسول اللّه وسعديك ، فقال : « كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه بالوصيف » يعني القبر ، قلت اللّه ورسوله أعلم ، أو ما ضار اللّه ورسوله ؟ قال : « عليك بالصبر » أو قال : « تصبر » قال أبو داود : قال حماد بن أبي سليمان : يقطع النباش لأنه دخل على الميت بيته . وهاهنا مسألة تطرح نفسها حول حكم النباش ، فقال الخطابي في معالم السنن : موضع استدلال أبي داود من الحديث أنه سمى القبر بيتا والبيت حرزا ، والسارق من الحرز مقطوع إذا بلغت سرقته مبلغ ما تقطع فيه اليد . والوصيف : العبد ، يريد أن الفضاء من الأرض يضيق عن القبور ، ويشتغل الناس بأنفسهم عن الحفر لموتاهم حتى تبلغ قيمة القبر قيمة العبد . وقد اختلف الناس في قطع النباش : فذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق إلى أنه يقطع إذا أخذ من القبر ما يكون فيه القطع ، وبه قال أبو يوسف ، وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن والشعبي والنخعي وقتادة وحماد بن أبي سليمان . وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري : لا قطع عليه .